منتدى اللادينيين السوريين

منتدى اللادينيين و الملحدين السوريين


    الالحاد ، مكانته الاجتماعية و تطوره

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 31
    تاريخ التسجيل : 21/04/2009

    الالحاد ، مكانته الاجتماعية و تطوره

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء أبريل 22, 2009 6:02 pm

    يعني الإلحاد أصلا عدم الأيمان بأي اله و لكن كيف يمكن تصنيف الكثير من البشر في المجتمعات الحديثة التي ليس لها موقفا ايجابيا من اله او الدين بشكل عام؟ هذا الموقف الذي يعني تجاهل الأديان و الأفكار الميتافيزيقية يأتي اما من عدم رغبتهم في التفكير في هذا الموضوع أو من جهلهم به. ذلك يحدث رغم أن المؤسسات الدينية تعتبر مثلا كل من تم تعميده في طفولته مسيحيا أو كل ولد لأبوين مسلمين مسلما .
    يجب أن لا ننسى هنا مشكلة الإلحاد اللغوية التي تتمثل في ضرورة استخدام المصطلحات الدينية أي ان الملحد مضطر إلى استخدام كلمة "الإله" عندما يعرض رأيه و يقول :"لا يوجد إله".
    عبر هذه الاستخدام اللغوي فإن الملحد يساعد المتدين في خلق صورة الإله الذي لا يؤمن هو بوجوده أصلاً. و يبدو ذلك واضحا و جليا في محاولات نقض الدين عن طريق العلم النظري.
    الإيمان بالإله كان و ما زال وسيلة من اجل تثبيت الطاعة الجماعية و لذلك نرى الرأي العام بأن من لا يعتنق أي دين هو مواطن لا يمكن الاعتماد عليه و لا يمكن التعامل معه. فالرأي الشعبي البسيط يقول أن ترويض الإنسان و إمكانية خضوعه للقوانين لا يمكن أن تتم إلا عبر الإله الذي أرسل الأوامر و وضع العقوبات لمن لا ينفذها.
    الفكرة الإلحادية تقوم أصلا على الفكرة الدينية و هذا ما يجد صدى ايجابيا لدى حاملي لواء الفكر الدينين لأنهم يجدون في ذلك طريقة جديدة من اجل إثبات فكرتهم الدينية و ذلك بالحديث عن الفوضى الفكرية التي يأتي بها الإلحاد (؟)و عن العالم الباطل الذي لا يمكن إنقاذه و عن نهاية العالم الباطل القريبة و بذلك يستخدم المتدينون الخوف لدى الناس العاديين من اجل إعادتهم إلى الحظيرة الدينية.
    من الضروري هنا الاعتراف بأن المؤسسات الدينية غيرت طريقتها في الكلام و في المحاججة خلال السنوات الأخيرة (خاصة خلال الربع الرابع من القرن العشرين و بشكل خاص بعد سقوط منظومة الدول الاشتراكية التي كانت تجسيدا للفكرة الإلحادية أي أنها كانت "الدولة الإلحادية" المناقضة للمؤسسة الدينية. قبل هذا التغيير كان الصراع عبارة عن صراع فكري ب و ين مؤسسات مختلفة أي بين مؤسسات دينية و مؤسسات الحادية. بعد سقوط هذه المؤسسات الإلحادية تغيرت طريقة حديث المؤسسات الدينية أي أن الصراع لم يبقى صراعا فكريا نظريا و علميا و إنما أصبح صراعا اجتماعيا بين المؤسسات الدينية من جهة و الأفراد الذين يعلنون إلحادهم أو لا يهتمون بالفكرة الدينية من الطرف الآخر.

    المشكلة الأساسية في الصراع الفكري بين المؤسسات الدينية و الملحدين هي قناعة المؤسسات الدينية الثابتة أنها تفهم نفسية و طريقة تفكير الملحدين أفضل من الملحدين نفسهم. نجد ذلك بشكل واضح لدى المؤسسات و الأدبيات المسيحية الأوروبية فبعض هذه الأدبيات تطلق على الملحدين مصطلح "المسيحي المجهول" أي أن هذه الأدبيات تعامل الملحد كمؤمن و لكنه "مؤمن ضال". هذه الأدبيات تصف الوجود البشري بأنه تطور فكري ديني من الإلحاد إلى الإيمان.
    الأب اليسوعي كارل رانر (Karl Rahner) يفسر ذلك:
    "... و من ذلك نستنتج انه لا يمكن أن يحصل الإنسان على الخلاص بدون أن يؤمن ليس فقط بالرب إنما بالمسيح أيضا. أي" لا يوجد خلاص خارج الكنيسة و لكن هذا لا يعني انه خارج المسيحية لا يوجد خلاص أي حتى في صفوف الملحدين يمكن أن يوجد الخلاص الذي يأتي عبر رحمة الرب و عبر الروح القدس الذي يسكنهم. ..... لذلك فإن كل قرار ايجابي موافق للضمير يأتي من رحمة الرب (بغض النظر عن الحاد أو إيمان الشخص) أي حتى لو كان هذا الشخص يقول عن نفسه انه ملحد فهذا يعني أن هذا الملحد لم يصل بوعيه إلى المرحلة التي يمكن له فيها أن يعكس في وعيه الوجود الرباني في نفسه ... أي أن هذا الشخص هو مسيحي أصلا و لكنه لا يعرف ذلك.
    هذا الكلام و هذه الطريقة تعني أنه حتى الملحد لا يستطيع أن يتخلى أو يستقل عن الرب الذي يسكنه و الذي يتحكم بقراراته الإيجابية شاء هذا الملحد أم أبى. بطريقة أخرى تريد المؤسسات الدينية أن تضع الملحد رغما عنه في موقع الملعون من الرب (و رغم ذلك يمكن أن يُرحم من هذا الرب) و بذلك تجبره على الخضوع للمحكمة الربانية. مشكلة مصطلح "الإلحاد" اللغوية تكمن في أن الإلحاد هو نفي الإله. لذلك يطرح السؤال نفسه: إذا كان الإله غير موجودا فلماذا يتوجب نفيه؟؟؟ عبر هذا النفي يتحول الإله إلى موجود و إلى حقيقة. لذلك فمشكلة الإلحاد اللغوية هي واحدة من اكبر مشاكل الإلحاد.
    على سبيل المثال نستطيع أن نذكر هنا مثالا مشهورا و هو تقارب الفاتيكان من الإلحاد و ذلك عبر المجلس الفاتيكاني الكنسي الثاني بين العامين 1962 و 1965 حيث أن هذا التقارب لم يكن في النهاية إلا نوعا من اللعب اللغوي:
    " المطالبة العامة بأحقية و بمطلقيه الرب المسيحي لا يمكن ان تتغير " و لذلك فإن اعتراف الدينين بوجود و بأحقية النقد الإلحادي طالما أن هذا النقد لا يزال مشمولاً في الفكرة الدينية التي عبر عنها الفاتيكان:
    "الإنسان موجود لأنه مخلوق من محبة الرب و سيبقى الإنسان لأنه باق بمحبة الرب ، رغم انه قد لا يعيش حسب هذه الحقيقة أي حتى لو انه رفض الاعتراف بهذه المحبة و هذا الخالق." و لذلك تتمسك الكنيسة بأن "الإيمان بالرب لا ينقص من كرامة الإنسان لأن الرب هو أساس هذه الكرامة و منشأها" بالرغم من أن الكنيسة تعترض و بكل وضوح على الإلحاد إلا أنها تقر بضرورة أن يتعاون الجميع (متدينين و ملحدين) من اجل بناء عالم جيد لجميع البشر" في الوقت ذاته تطالب الكنيسة من الملحدين: "حرية عمل الكنيسة من اجل أن تستطيع الكنيسة بناء معبد للرب على هذه الأرض " و كذلك تطالب الكنيسة من الملحدين : "باحترام الأناجيل".
    نلاحظ في هذه المقاطع البسيطة و في النص الكامل الذي صدر عن الكنيسة أن الكنيسة تطالب بحريتها و احترام كتبها المقدسة و لكنها و في الوقت ذاته لا تطالب نفسها باحترام المعتقدات الأخرى. هذه الرؤيا الأحادية الجانب نراها في أدبيات أغلبية الأديان البشرية و خاصة السماوية منها.
    لا يمكن نقض المذهب الديني بشكل عقلاني لأن عماد المذهب الديني (الإيمان بالخالق) موجود لدى المتدينين خارج كل مناقشة. و غير ذلك فإن النقد الدائم للفكرة الدينية يدفع أصحاب الدين إلى التماشي مع المتطلبات الفكرية الجديدة و يحثهم على بناء فرضيات و حيثيات جديدة تريد أن تثبت القوة الإلهية. ما نحصل عليه في النهاية هو مؤسسات دينية تنتظر النتائج الأخيرة من اجل أن تربطها لغويا و فكريا بفكرتها الدينية الأساسية.
    الفكر الديني يفهم نفسه بأنه "صحيح" و "طبيعي" و " من اجل البشر" أما نقد الفكر الإلحادي للفكرة الدينية فتصنفه المؤسسات الدينية على انه "شر" و "ضلال" و "جهل" أي أن الملحد ينقد الدين لمحبته بالنقد و لرغبته في التميز عن الآخرين و من اجل إعلاء شأنه.
    في ظل هذه الظروف يمكن أن نفهم السبب في خطورة و إمكانية اتخاذ الفكر الإلحادي ، العقلاني أصلا، لمواقف تتعارض مع الحرية و مع كرامة الإنسان.

    يتبع في الموضوع القادم

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 9:25 pm