منتدى اللادينيين السوريين

منتدى اللادينيين و الملحدين السوريين


    القرآن مقاربة أدبية

    شاطر

    تيسير الفارس
    مشرف عام
    مشرف عام

    عدد المساهمات : 6
    تاريخ التسجيل : 27/07/2010

    القرآن مقاربة أدبية

    مُساهمة من طرف تيسير الفارس في الثلاثاء يوليو 27, 2010 7:43 pm

    تيسير الفارس

    إن دراسة القرآن دراسة أدبية أي تحليل البنى المعرفية التي راحت تشكل الفضاء العام للدراسات التراثية في أبعادة الجمالية، ظلت تلح علي لفترات طويلة، والفكرة التي رحت أطاردها طويلا كانت خطرة لدرجة أنني كنت أوثر تأجيلها ريثما تتوفر الظروف الملائمة لانجازها ، وهمي هنا أن أجعل القرآن المتوسل إليه والمقرؤ والمشروح من قبل المسلمين مهما كان مستواهم الثفافي وكفاءتهم العقائدية أن يصبح موضوعا للتساؤلات النقدية والتحريات الجديدة المتعلقة بمكانته اللغوية والتاريخية ،ويجب أن نلاحظ هنا أن ثمة اختلال توازن فظيع بين الاستهلاك الايديولوجي للقرآن وبين الفكر النقدي الحرالذي يأخذ بعين الاعتبار كل المشاكل التي يطرحهاالبعد الايديولوجي للقرآن اليوم على كافة النفوس الحريصة على تحديد المعرفة بالظاهرة الدينية ككل، ولعل أول ما يثير الانتباه هو أن هذه المقاربة الأدبية ستطرح المشكل الذي يقنن مستوى التفكير في كافة أبعاده وسياقاته ومعانيه، وما أقترحه هنا هو عبارة عن مقدمة لها دلالتها فيما ننوي اجتراحه. لا دراسة بمعنى التقصي المعرفي لكافة مذاهب التصور الممكنة ، ذلك أن دراسة بهذا الحجم لايمكن أن تنجز إلا من خلال تظافر الجهود من كل الباحثين المخلصين للكشف عن النسق العام لتاريخية القرآن .

    لا تشكل المقاربة اللفظية المعجمية إلا اللحظة الأولى للتحليل اللغوي والألسني الذي ينبغي أن يؤدي بدوره الى التحليل الأدبي . والملحوظات المتعلقة بالألفاظ تبقى مصطنعة ودون أية أهمية ايضاحية إن لم تندمج في نظام العمل ككل ـ أي القرآن ـ . إن تعريف العمل الأدبي بصفته ـ شكلاـ معنى ـ لا ينفصم عن اعتباره تشكيلا لعناصر دالة يعتمد على قوانينه الداخلية أو نسقه العام، ويتميز بصفته كلا متحركا مرتبطا بقصدية معينة أي برسالة وابداع ما الذي يظهر للقارئ على هيئة تشكيل مستمر لا ينتهي.
    لكننا لانستطيع أن نشرع بالدراسة الأدبية للقرآن دون أن نصطدم بذلك الإنتاج الضخم للمنظرين المسلمين والمتعلق بمسألة الاعجاز ، نحن نعلم أن العقيدة التي تنص على الصفة المحظ عجائبية والرائعة للقرآن والتي تقول بعدم إمكانية تقليد الخطاب القرآني يرجع أصلها الى التحدي الموجه مرات عديدة للعرب في أن ينتجوا عبارة واحدة واضحة بليغة متماسكة وممتلئة بالمعنى ... كالرسالة المنقولة الى محمد ومنه الى كل البشر ، جاء في القرآن ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .
    كان قد نظر لمفهوم الاعجاز هذا بشكل كثيف من قبل العديد من المؤلفين العرب الذين يسيطر عليهم منطق ارسطو وبلاغته ، ولكننا نعلم جيدا أن الجهود المبذولة حاليا لتشكيل نظرية للأدب تستهدف على وجه الخصوص البرهنة على عدم صحة البلاغة الأرسطية ، لهذا السبب نرى أن أية مقاربة أدبية للقرآن ينبغي أن تبتدئ باستعادة نقدية للأدبيات التي دارت حول الإعجاز .
    ينبه الباقلاني في رسالته حول الإعجاز القارئ الى أنه يلزم من أجل فهم كلامه ( أن يمتلك قبل كل شيء مجموعة من المفاهييم المتعلقة بالصفات الجميلة وأنواع الكلام المختلفة وأن يعرف عددا معينا من الأساليب الخاصة بعلماء الكلام وأن يدرس الى حد ما أسس الدين أو أصول الدين.
    هكذا نرى أن البحوث المتركزة حول موضوع الإعجاز قد استعانت بعلوم متعددة ، نتج عن ذلك تنوع خصب في وجهات النظر وملحوظات صحيحة ولكن نتج أيضا ضعف في النظرية المنجزة بسبب الخلط المستمر بين المستوى اللغوي والمستوى التيولوجي والمستوى التاريخي . لكي نستثمر هذه المادة المتعلقة بالإعجاز ونحللها جيدا فإنه من المناسب أن نستذكر تلك المقولة ( إننا نعرف أو نفهم ضد معرفة سابقة وذلك بتدميرنا للمعرفة المصنوعة بشكل رديء ) ، فيما يخص موضوعنا هذا نرى أن الأدبيات المتعلقة بالإعجاز تماما كتلك التي تتناول عجائب يمكن أن تدرس من خلال المنظورين التاليين:
    *يمكن أن ندرس القرآن كفضاء تسقط فيه العقائد والهلوسات التي حلم ولا يزال الوعي الإسلامي بها، هذا الوعي الذي ظل أيضا خاضعا للضغوط الثقافية المختلفة، إن الخطاب القرآني يكشف أو يبرهن من خلال هذا الإنتاج على قدرته على التوسع والإثارة ضمن نظام الخيال، هذا ما نجده مثلا في المنحنى الرمزي الغني جدا بالصور التي تأسر الوجود الطبيعي ضمن سياق محدد.
    * لكن الأكثر إثارة وأهمية هو ما يتعلق بالإعحاز ـ في الواقع أنه وعلى الرغم من أن الوعي اللغوي العربي كان خاضعا للحاجة الدينية من أجل البرهنة على الصفة الإعجازية للكتاب المقدس ، فإنه كان قد لاحظ جيدا إما عن طريق الحدس وإما بواسطة التحليلات البلاغية نقضا للعادة في التركيب اللغوي للخطاب القرآني، أي النظم باللغة الدينية ـ
    من بين الصفات الثلاث التي يوردها الباقلاني للبرهنة على إعجاز القرآن أي عدم إمكانية تقليده نلاحظ أن الصفة الثالثة وهي وحدها ذات علاقة باللغة . هذه الصفات هي :
    ـ إيراد معلومات تتعلق بالغيب.
    ـ جهل النبي للقرءة والكتابة.
    النظم العجيب الفريد.
    وقد كرس الباقلاني لهذه الصفة الأخيرة جل أهتمامه مسهبا ومفصلا وذلك من خلال تفحصه للنقاط التالية :
    ـ بنية الجملة القرآنية التي تختلف عن كل نظام معروف في الخطاب العربي ، وقد كنت في مكان آخر وفي موضوع مختلف تماما أثرت هذه الإشكالية فيما دعوته بالكلام المنثور على هيئة الجملة ( تسلسل النص كإيقاع ووزن بصفتهما شكلا يتجاوزان وحدة الجملة .
    ـ الاتحاد الدائم ( على الرغم من طول النص ) بين الصفاء الخارق للتعبير والغنى العميق.
    ـ ليس في نظمه العجيب نشاز أو تغاير على الرغم من تنوع الكلام والخطاب من حكايات وقصص ومواعظ وجدل ... الخ .
    ـ فن غير مألوف عن استمرارية الإيقاع ولا استمراريته ومن صعود وهبوط وانتقال وتوقف في سير الخطاب.
    ـ نظم بلاغي يختلف عن الخطاب المعتاد للجن والإنس .
    ـ كل الأشكال البلاغية للكلام المعروفة موجود في القرآن.
    ـ اختيار رائع للكلمات الأكثر مناسبة من أجل التعبير عن الأفكار الأكثر جدة مما هو أصعب بكثير من استخدام الكلمات الخاصة بأفكار معروفة سابقا أو مألوفة.
    ـ الاستشهاد بأي مقطع من القرآن مهما يكن قصيرا يعرف فورا.
    ـ تضم الأبجدية 29 حرفا صامتا ، استخدم منها أربعة عشر حرفا في بداية 28 سورة من أجل البرهنة على أن هذا الخطاب القرآني مركب من الحروف التي تشكل الخطاب البشري .
    ـ إن عبارة القرآن متسلسلة خالية من كل اصطناع أو وعورة مستهجنة.

    إذا ما غضضنا الطرف عن النعوت ذات الهدف التبجيلي في النص فإنه من السهل أن نكتشف في هذا التعداد الكثير من التكرار والتحديدات التي لا تفيد ثم النواقص الخطيرة والفرضيات الخاصة بالبلاغة الارسطية ( كالمتعارضات ، شكل/ مضمون، معنى حرفي/ معنى مجازي، مفهوم زخرفي للمجاز بأنواعه، عدم التمييز بين التزامن/ والتطورية اللغوية، كما يزيد من خطورة عدم التمييز هذا فيما يخص القرآن تلك العقيدة القائلة بأن القرآن غير مخلوق، ينبغي إذن استعادة التحليلات المدرسية الكلاسيكية وذلك بتوضيحنا للنقاط التالية:
    ـ التنظيم المجازي
    ـ الحكاية الأسطورية
    التعبير عن الوعي الأخروي

    التنظيم المجازي

    إن الرجوع الى علم أصول الكلمات من أجل تحديد معنى هذه الكلمة أو تلك أمر لا طائل منه ، بل إنه خطر إذا لم نوضع هذه الكلمة في شبكتها المعجمية اللفظية، وإذا لم نربط هذه الشبكة نفسها بنظام الكتاب أي القرآن ككل، في الواقع أن أحد القوانين الداخلية التي تهيمن على اسلوب اشتغال هذا النظام هو تحويل ما هو واقعي وتحويره الى رمز بواسطة العملية المجازية . لذا نجد أنه لم يعد مشروعا القيام بعملية الوقوف أمام النص دائما بشكل مندهش في كل مرة تتطابق فيها الفكرة مع الصياغة اللغوية، وليس مشروعا كذلك أن نعزل المفردات ـ الكلمات ـ عن سياقها القريب والبعيد الواسع ، ذلك أن كلية النص ، أي النص القرآني ، هي التي تحمل الروح الانساني فيما وراء المكان والزمان العاديين وتقدم لها مجموعة من العجائب المدهشة ، أ ي من أشياء لم ترها العين ولم تسمع بها الأذن ولم تخطر على القلب ومع ذلك فهي أهل لأن ترى وتسمع وتخطر على القلب أي تستبطن.
    قد تبدو وجهة النظر هذه غير قابلة للدعم إذا ما أخذنا بعين الإعتبار المقاطع العديدة التي يختفي فيها التعبير الشعري لمصلحة عبارة مباشرة مفهومة فورا على مستوى الاستخدام العادي للغة ، كان بعضهم قد انتبه سابقا الى أن الله في السور المدنية يشرع ويشرح ويدحض ويناقش ، بل لقد ذهب النقد المدرسي الاستشراقي الى حد التقاط وكشف النواقص الاسلوبية في القرآن . يبدو أن الممارسة الشائعة للمسلمين أنفسهم والتي تتمركز في الاستخدام المتقطع والظرفي لكل آية قد استبعد امكانية قراءة القرآن كعمل كلي واحد، حيث تتشابك كل مستويات الدلالة والمعنى، وتستند الى ما دعاه ذات مرة الصديق الاستاذ سميح الشريف بـ ( البنية المركزية للميثاق).اي ذلك الضغط الذي يولده النسق العام الشمولي للنص على الوعي بل وتشكيل الوعى في النهاية.
    إن المكانة اللغوية للمجاز ووظيفته تتوقف هي ذاتها على طراز تصور الواقع وعلى مفهوم اللاواقعي الموازي له، وبالمقابل فإن العمل الذي يسيطر عليه التعبير المجازي يفرض طرازا محددا من التصور ويحافظ عليه ، هكذا نرى أن المحللين الحديثين الذين يقيمون التضاد بين السور المكية ذات التعبير أو الصياغة الشعرية وبين السور المدنية ذات الصياغة النثرية أو الذين ينعتون التفسير الإسلامي بأنه ذري مفتت ، ينسون أن وحدة النص التي تبدو مهمشة في صياغتها اللغوية هي في الواقع محفوظة ومصانة بفضل الممارسة الشعائرية والتلاوة العبادية ، وحده القارئ الحديث المنقطع عن الشعائر ، أي عن طراز التعبير الخاص بالوعي الأسطوري والذي تهيمن عليه معطيات التاريخ الواقعي الإيجابي والنقد اللغوي والفلسفي يجد نفسه مجبرا على أن يمارس هذا الانقطاع والفصل ما بين لغة صريحة يمكن فهمها قورا ولغة مجازية تشير الى عالم غير واقعي ، ولا تعوض عن هذا الانقطاع لا الشعائر ولا العبادات ولا مرد عنها ضمن مقياس ـ أن محاولات التحليل العلمي للغة الدينية سوف تحتقر بمجرد أن تنزلق إليها أية فرضية دينية.
    على الرغم من ذلك فإن البنية النصية للمصحف المشكل منذ عهد عثمان تشهد بطريقة لا يمكن دحضها على تصور شامل لكل الوحي من قبل وعي لا يتجزأ، في الواقع اننا نجد في المصحف أن المجاز الأكثر بريقا وسطوعا يجاور الأوامر والمقاطع الأكثر نثرية ، إن المثال الأكثر دلاللة على هذه الحالة يتمثل في سورة النور :
    حالة تخص الفسق
    نزع تهمة الزنا عن عائشة
    حالة تخص العلاقات الإجتماعية
    أوامر تخص طريقة التعامل مع العبيد
    ومباشر نذهب الى الآية 33 التي تمنع النساء الإيماء على الدعارة الى الآية 34 التي ترفع أو تنقل مجازيا كل المسائل السابقة واللاحقة الى مستوى التعالي حيث يسترد الخطاب القرآني وظيفته وطريقة اشتغاله بشكل ممتلئ.
    ( الله نور السماوت والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) .
    لن أتوقف عند هذا المجاز الغني جدا ، أريد لفت الأنتباه الى مشكلة تخص المشروعية فعلا وهي : هل من المسموح أن نقرأ الآيات الموصوفة بأنها مباشرة وواضحة على مستوى الدلالات الحرفية اللفظية وأن نهمل المعنى المشع من المجازات المنتشرة على مدار النص كله؟ وهل من الممكن أن نستخرج من القرآن قانونا تشريعيا أو حتى نظاما اخلاقيا دون أن نطمس هذا المجاز المؤسس لنوع من الخطاب : أقصد هذا المجاز المتمثل في أن الله يتكلم ويأمر وينهي ويحاكم ويعاقب ...الخ ؟ . هذا ما نجيب عليه في المقال التالي .





      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 17, 2018 9:18 pm